Wednesday, March 18, 2026

أفكار سلام في سياق النص: نظرة أعمق على إرميا 29: 11

حتى الآن في سلسلة "الآيات في السياق"، نظرنا إلى ثلاث من آيات العهد الجديد (فيليبي 4: 13، رومية 8: 28، وتيموثاوس الثانية 1: 7). اليوم، سوف نتطرق إلى العهد القديم لتناول آية أخرى كثيراً ما يُدعى بأنها "آية الحياة" ويتم طباعتها على دفاتر الملاحظات أو تُعلق على الجدران منفردة دون الأخذ بعين الاعتبار السياق الذي كتبت به: 

'لِأَنِّي عَرَفْتُ ٱلْأَفْكَارَ ٱلَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلَامٍ لَا شَرٍّ، لِأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً." إِرْمِيَا 29: 11

ارتكز العديد من الناس على هذه الآية للحصول على الراحة والتشجيع، معتقدين أن الله لديه خطة لحياتهم، وليس مجرد أي خطة، بل خطة ستجلب لهم السلام والأمان بشكل عام. لكن هل هذا ما تقوله هذه الآية؟ من يخاطب الله في هذا المقطع الكتابي؟

عندما ننظر إلى هذه الآية في سياقها، نرى أنها في الواقع جزء من رسالة كتبها النبي إرميا إلى مجموعة معينة من الناس في وقت معين. في إرميا أصحاح 29، نرى أن البابليين كانوا قد غزوا مملكة يهوذا (التي تتكون من القبيلتين الجنوبيتين لشعب إسرائيل)، وأسروا الشعب، وأخذوا العديد منهم إلى بابل، تاركين فقط أفقر الناس في الأرض. تخبرنا الآية الأولى من العدد إلى من تتوجه هذه الرسالة:

"هَذَا كَلَامُ ٱلرِّسَالَةِ ٱلَّتِي أَرْسَلَهَا إِرْمِيَا ٱلنَّبِيُّ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَقِيَّةِ شُيُوخِ ٱلسَّبْيِ، وَإِلَى ٱلْكَهَنَةِ وَٱلْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَى كُلِّ ٱلشَّعْبِ ٱلَّذِينَ سَبَاهُمْ نَبُوخَذْنَاصَّرُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَابِلَ" إِرْمِيَا 29: 1

بشكل أساسي، كان كل من تم نفيهم هم المقصودون برسالة إرميا. تُخبرنا الآية الثانية متى تم إرسال الرسالة، وتخبرنا الآية الثالثة على يد مَن أُرسلت الرسالة. تبدأ الرسالة في الآية الرابعة: "هَكَذَا قَالَ رَبُّ ٱلْجُنُودِ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لِكُلِّ ٱلسَّبْيِ ٱلَّذِي سَبَيْتُهُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَابِلَ". لاحظ أن الله هو الذي أرسل الشعب إلى السبي. على الرغم من أن البابليين هم الذين قاموا بالغزو، إلا أن هذه الآية تُخبرنا أن الله هو من سمح بذلك. فلقد استخدمهم الله لمعاقبة شعبه في الجنوب على عصيانهم، كما كان قد حذرهم مراراً وتكراراً من أنه سيفعل ذلك.

في الآيات 5–7، يخبر الله –على لسان إرميا– الشعب أن يستقروا في بابل: أن يبنوا بيوتاً، يكوّنوا أسراً، و"يعمَلوا لِخَيرِ المدينةِ"، وأن يصلوا لأجلها. ويبدو أن الشعب كان متردداً في فعل ذلك لأنهم كانوا يستمعون إلى أنبياء كذبة (كما ورد في الآيتين 8–9) مما جعلهم يظنون بأنهم لن يمكثوا في بابل مدة طويلة. وفي الإصحاح السابق، إرميا 28، نرى أن أحد هؤلاء الأنبياء الكذبة هو حننيا الذي أخبر الشعب بأن الله سيدمر بابل خلال عامين، وأنهم سيتحررون من السبي. لكن الله أظهر أن حننيا لم يكن يتكلم باسمه، وذلك من خلال كلمات إرميا ومن خلال موت حننيا (راجع إرميا 28: 12–17).

لذلك، بعد أن حذر الله الشعب من الاستماع إلى هؤلاء الأنبياء الكذبة في الآيتين 8–9، يخبرهم بالمدّة الحقيقية للسبي في الآية 10 وهي سبعة عقود: "لِأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ ٱلرَّبُّ: إِنِّي عِنْدَ تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً لِبَابِلَ، أَتَعَهَّدُكُمْ وَأُقِيمُ لَكُمْ كَلَامِي ٱلصَّالِحَ، بِرَدِّكُمْ إِلَى هَذَا ٱلْمَوْضِعِ."

وهنا نصل إلى الآية 11، التي قد تلاحظ أنها تبدأ بأداة الربط «لأني»: "لِأَنِّي عَرَفْتُ ٱلْأَفْكَارَ ٱلَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلَامٍ لَا شَرٍّ، لِأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. فَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ. وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ . فَأُوجَدُ لَكُمْ ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، وَأَرُدُّ سَبْيَكُمْ وَأَجْمَعُكُمْ مِنْ كُلِّ ٱلْأُمَمِ وَمِنْ كُلِّ ٱلْمَوَاضِعِ ٱلَّتِي طَرَدْتُكُمْ إِلَيْهَا، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، وَأَرُدُّكُمْ إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي سَبَيْتُكُمْ مِنْهُ." إرميا 29: 11-14

كان الله يقول للشعب، بشكل أساسي، بأن "هؤلاء الأنبياء" يظنّون أنهم يعرفون أفكاري، لكنهم كاذبون، أنا أعرف ما هي الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم. ستبقون في السبي مدة أطول، لكنكم لن تبقوا في السبي إلى الأبد. لقد وعدت بأن أعيدكم إلى وطنكم، وأنا أفي بوعودي. عدلي ليس بلا رحمة. فعندما تكتمل المدة التي تدفعون فيها عواقب أفعالكم، سأعيدكم إلى دياركم، وعندما تطلبونني بصدق وبكل قلوبكم، ستجدونني.

إذن، هذا هو سياق إرميا 29: 11. إن السلام الذي وعد الله به كان يتمثل في إنقاذ الشعب من السبي وإعادتهم إلى منازلهم. وأما غياب الشر فكان وعداً بأنهم لن يظلوا أسرى إلى الأبد، فالله لن يتركهم لأعدائهم. وأما المستقبل والرجاء اللذان كانا بانتظارهم فهما استعادة أرضهم واستعادة علاقتهم مع الله.

ونرى في أجزاء أخرى من الكتاب المقدس (مثل عزرا 1:1، وغيرها) أن الله حقق هذا الوعد. فقد سقطت الإمبراطورية البابلية على يد الإمبراطورية الميدية الفارسية، وبما أن السياسة الفارسية في التعامل مع الشعوب الأسيرة والأراضي المحتلة كانت مختلفة عن سياسة البابليين، فقد أعاد الفرس الشعب اليهودي إلى وطنهم بعد سبعين سنة من سبيهم إلى بابل، تماماً كما قال الله.

ولكن، هل يتبع ذلك أنه لا يمكن لأي شيء في هذه الآية أن ينطبق علينا اليوم؟ هل وجود معنى محدد لهذه الآية لشعب معين في نقطة معينة من التاريخ، وأن الوعود التي فيها قد تحققت، يعني أننا لا نستطيع أن نعلن وعودها الآن على حياتنا؟ هل الله لا يعرف الأفكار التي هو مفتكر بها عنا في القرن الحادي والعشرين؟ الم يمنحنا نحن أيضاً مستقبلاً ورجاء؟

أما نحن الذين رجعنا عن خطايانا، وآمنا بيسوع وما فعله لأجلنا، صرنا بالتالي أبناء متبنين لله، فنحن شعبه. فكما أن بني إسرائيل القدماء كانوا مختارين من الله ليكونوا صورة لما يعنيه أن يكون الإنسان من شعب الله، ونالوا وعوداً كجزء من تلك العلاقة الخاصة، كذلك أتباع يسوع أي "إسرائيل الله" (انظر غلاطية 6: 16)، أولئك الذين هم «شعب اقتناء»، الذين «لم يكونوا شعباً، وأما الآن فهم شعب الله» (انظر 1 بطرس 2: 9–10) قد مُنحوا وعوداً أيضاً.

في كل أنحاء العهد الجديد نجد إشارات كثيرة إلى الأفكار التي يفتكر بها الله عنا، وإلى المستقبل والرجاء اللذين لنا فيه. ففي فيلبي 1: 6 نرى أن الله سيُكمِل «العمل الصالح الذي بدأه» فينا (ألا يبدو هذا وكأن الله له خطة لنا؟). وفي يوحنا 14 يخبر يسوع تلاميذه (بمن فيهم تلاميذه المستقبليون) أنه يمضي ليعد لنا مكاناً وسيعود ليأخذنا إليه لنكون معه (هل تلاحظ صدى إرميا 29: 10–14؟) "وَأَرُدُّكُمْ إِلَى ٱلْمَوْضِع." وكما رأينا في رومية 8: 28، فإن أتباع يسوع لديهم وعد بأن الله يفتدي  حتى الآلام والضيقات ويستخدمها لخيرهم (ألا يذكّرك هذا بإرميا 29: 11؟ «أفكار سلام لا شر»). وتتحدث كولوسي 1: 5 عن «الرجاء الموضوع لكم في السماوات» (هل تلاحظ المستقبل والرجاء هنا؟).

وتتحدّث أفسس 1: 3–14 عن كل هذه الأمور:

"مُبَارَكٌ ٱللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ، ٱلَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ فِي ٱلْمَسِيحِ، كَمَا ٱخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلَا لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ ٱلَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي ٱلْمَحْبُوبِ . ٱلَّذِي فِيهِ لَنَا ٱلْفِدَاءُ بِدَمِهِ ، غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ ، ٱلَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ، إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ ٱلَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ ٱلْأَزْمِنَةِ ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ، مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلْأَرْضِ، فِي ذَاكَ. ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا ، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ ، لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ ، نَحْنُ ٱلَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي ٱلْمَسِيحِ . ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ ٱلْحَقِّ ، إِنْجِيلَ خَلَاصِكُمُ، ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ ٱلْمَوْعِدِ ٱلْقُدُّوسِ، ٱلَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا ، لِفِدَاءِ ٱلْمُقْتَنَى ، لِمَدْحِ مَجْدِهِ." أَفَسُسَ 1: 3-14

أترى كم يتحدث هذا المقطع عن خطط الله، وعن الخير الذي لنا الآن كبركات روحية وفي المستقبل كميراث، وعن السلام الذي لنا مع الله بفضل نعمة الفداء والغفران، وعن الرجاء الذي لنا في يسوع، والمستقبل المعد لنا، والمضمون بالروح القدس؟

لذا، إن أردنا نحن المسيحيين أن نقتبس أو نتأمل أو نتمسّك بآيات تذكّرنا بأن لله خطة صالحة لحياتنا، فلدينا ثروة من الآيات لنختار منها، دون الحاجة لاستخدام إرميا 29: 11 خارج سياقها. لكن هذا لا يعني أن إرميا 29: 11 لا تحمل أي تشجيع لنا. فالطريقة التي تعامل بها الله مع بني إسرائيل القدماء تكشف لنا عن صفاته وعن عدله ورحمته، وسلطانه ومحبته، وحكمته، ولطفه. وكما أن تمرد بني إسرائيل لم يكن قوياً بما يكفي ليبطل محبة الله أو أن يمنعه من إتمام وعوده، كذلك محبته لنا غلبت تمردنا، فمن خلال يسوع ننال الغفران والمصالحة مع الله. وكما استرجعوا علاقتهم به، كذلك يمكننا نحن أن نتمتع بعلاقة حيّة معه. وكما أنه أعادهم بلطف ونعمة إلى وطنهم، سيعيدنا هو أيضاً يوماً ما بلطف ونعمة إلى وطننا النهائي. وهذه الوعود ثابتة. 

إرميا 29: 11، في سياق تاريخ بني إسرائيل، يذكّرنا بأن الله إله المحبة والمراحم، لا يتغيّر، ويفعل ما يقول إنه سيفعله—هو الله نفسه الذي ننتمي إليه. وهذا، يا أصدقائي، أمر يستحق أن نتمسك به.

كتب من قبل أوليفيا. ترجم من قبل سديم.  تعديل من قبل حنين باشا.


This post was first published in 2022. To see the original English version, click here.

.هذا المنشور تم نشره أولا في 2022. لرؤية النسخة الإنجليزية الأصلية إضغط هنا

Teresa Cantrell :المصدر
.سمح بالنشر

No comments:

Post a Comment