Wednesday, February 18, 2026

مفهوم عدم الخوف في سياقه: فهم أعمق لرسالة تيموثاوس الثانية 1: 7

في هذا الجزء الثالث من سلسلة "في السياق" سوف نبحر في إحدى رسائل الرسول بولس ولكن هذه المرة بدلاً من أن نبحر في رسالة موجهة لكنيسة كاملة كما رأينا في رسالة فيلبي ورسالة رومية سنبحر في رسالة موجهة لفرد واحد – تيموثاوس تلميذ بولس. في الإصحاح الأول من رسالة تيموثاوس الثانية نجد آية مستخدمة خارج السياق في معظم الأحيان وفي الغالب أنك ستتعرف عليها:

"لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ." (2 تي 1: 7). والترجمة العربية المشتركة تترجم الآية بأسلوب واضح أيضا "فَما أعطانا اللهُ روحَ الخَوفِ، بَلْ روحَ القُوّةِ والمَحبّةِ والفِطنَةِ." والذي سنستخدمه في مقالنا هذا. 

لقد استُخدمٓت هذه الآية كثيرا كنوع من التحفيز للأشخاص الذين يواجهون مواقف تثير فيهم الخوف، سواء كان ذلك الخوف بسيطاً أو مرهقاً أو ما بينهما. في حين أن جزء "فَما أعطانا اللهُ روحَ الخَوفِ" من الآية ينطبق على المؤمنين بشكل عام، لكن كما سنرى من السياق أن قصد بولس لم يكن اصدار بيان عام عن عدم خوف المسيحيين من أي شيء على الإطلاق. 

لنأخذ مثال مبالغ فيه: ترديد هذا الجزء من الآية أثناء القفز من طائرة لإقناع أنفسنا بأنه لا ينبغي لنا الخوف. بعض أنواع الخوف هو خوف صحي ويدفعنا لاتخاذ خطوات حكيمة وحذرة – مثل أن نرتدي المظلة (البراشوت) ونتأكد من كيفية استخدامها قبل أن نقفز من الطائرة. لذلك، استخدام هذا الجزء من الآية "فَما أعطانا اللهُ روحَ الخَوفِ" لتبرير سلوك متهور، يسيء الى كلمة الله. 

لكن حتى الأمثلة الأقل درامية في تطبيق هذا الجزء من الآية قد تتوسع لتشمل مواقف لم يقصدها الرسول بولس في رسالته. فنحن، مثلًا، نكون مقبلين على امتحان مهم فنشعر بالتوتر حيال أدائنا، أو نستعد لإلقاء خطاب فيغمرنا القلق. نحاول أن نهدّئ أنفسنا بترديد: «لأن الله لم يعطنا روح الخوف»، أو بصيغة مشتقة مثل: «الخوف ليس من الله»، لكننا ننسى أن التوتر لا يساوي بالضرورة الخوف. صحيح أن التوتر قد يكون متجذراً في الخوف، وقد يتحول أحياناً إلى خوف، إلا أنه في حدّ ذاته ليس أمراً سلبياً دائماً. بل قد يكون أحياناً هدية، لأنه يكشف لنا ما نعدّه مهماً، ويمكن توجيهه ليصبح طاقة إيجابية ومفيدة.

هناك أدلة وفيرة في الكتاب المقدس تدعم جملة "الخوف ليس من الله" (باستثناء نوع الخوف الموقر وهو مخافة الله بالتأكيد). مراراً وتكراراً في العهدين القديم والجديد الله يكلم الناس بعدم الخوف. مثلاً، داود يتكلم عن التوكل على الله  في يوم خوفه (مزمور 56: 3) ويوصي يسوع تلاميذه ألّا يخافوا أو يضطربوا لأنه سيعطيهم سلامه (يوحنا 14: 27). لذا ليس من الخطأ أن نتوكل على سلام الله وقوته في أوقات الخوف، لكن في رسالة تيموثاوس الثانية 1: 7 في أي من المواقف الأخرى التي نجد فيها أنفسنا متوترين نفوّت النقطة المحددة التي كان يحاول بولس إيصالها.

رسالة تيموثاوس الثانية 1: 7 لم تكتب بمعزل. فأكبر دليل على أن هذه الآية جزء من سياق هو الكلمة الأولى "لأن" (وفي الترجمة الأخرى، تبدأ بحرف الفاء-فاء الاستئناف). وهذه المقدمة تفيد بدء جملة جديدة لها علاقة بما قبلها، لربط الأفكار واستخدام الفكرة الثانية لتبرير الفكرة الأولى. لكي نفهم المعنى الذي يحاول الرسول بولس توصيله يجب أن نعود لآية 3 "إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ، كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلًا وَنَهَارًا، مُشْتَاقًا أَنْ أَرَاكَ، ذَاكِرًا دُمُوعَكَ لِكَيْ أَمْتَلِئَ فَرَحًا، إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَلكِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضًا. فَلِهذَا السَّبَبِ أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ، لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ." (رسالة تيموثاوس الثانية 1: 3-7 )

أو بالترجمة العربية المشتركة "أحمَدُ اللهَ الذي أعبُدُهُ بِضَميرٍ طاهِرٍ كما عَبَدَهُ أجدادي، وأنا أذكُرُكَ ليلاً ونَهارًا في صَلواتي. أتَذَكّرُ دُموعَكَ فيَشتَدّ شَوقي إلى رُؤيَتِكَ لأمتَلِـئَ فَرَحًا. وأتَذَكّرُ إيمانَكَ الصّادِقَ الذي كانَ يَسكنُ قَلبَ جَدّتِكَ لوئيسَ وقَلبَ أُمّكَ أفنيكَةَ، وأنا واثِقٌ أنّهُ يَسكُنُ قَلبَكَ أيضًا. لذلِكَ أُنبّهُكَ أنْ تُضرِمَ الهِبَةَ التي جَعَلَها اللهُ لَكَ بِوَضعِ يَدي. فَما أعطانا اللهُ روحَ الخَوفِ، بَلْ روحَ القُوّةِ والمَحبّةِ والفِطنَةِ"(رسالة تيموثاوس الثانية 1: 3-7 )

تيموثاوس، الذي تتلمذ على يد بولس، يخدم الآن راعياً لكنيسة محلية، ويكتب إليه بولس ليذكّره: "أنْ تُضرِمَ الهِبَةَ التي جَعَلَها اللهُ لَكَ". لماذا؟ "فَما أعطانا اللهُ روحَ الخَوفِ، بَلْ روحَ القُوّةِ والمَحبّةِ والفِطنَةِ." ولكن ما هي "موهبة الله"؟، ولماذا يتطلب تنميتها التحرّر من الخوف؟ تكمن الإجابة على هذه الأسئلة فيما يلي الآية 7.

يواصل بولس سلسلة أفكاره برابط آخر: "لأن لدينا رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالفِطنَةِ بدل روح الخوف" (آية 7). ينبغي ألا نخجل من شهادة الإنجيل، بل أن نختبر المشقات والآلام من أجله: "فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ اللهِ" (رسالة تيموثاوس الثانية 1: 8 ). بكان بولس يشجّع تيموثاوس على ألا يتردد في مشاركة الأخبار السارة عن يسوع، حتى وإن أدى ذلك إلى مشقّات.

في الحقيقة، كلمة الخوف الواردة في الآية 7 ذُكرت مرة واحدة فقط في الكتاب المقدس بأكمله، وهي تعني "الجبن" (1). لا يخبر بولس تيموثاوس بأن الله لن يمنحنا مشاعر عدم الارتياح، بل يؤكد له أن الله لم يجعلنا جبناء. وبشكل أكثر تحديداً، يحثّه على ألا يكون جباناً في إخبار الآخرين عن يسوع، حتى وإن أدى ذلك إلى مشقّات.

لكن مفهوم المشقّات لا يَرِد مرة واحدة فقط في هذه الرسالة، بل يشكّل موضوع أساسي يتكرر فيها مراراً. يذكر بولس المشقّات بدايةً في الآية 8 وتتبع ذلك، في الإصحاحات الأربعة من رسالة تيموثاوس الثانية، اثنتا عشرة إشارة أخرى تعبّر عن المعاناة: 

"لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا" (رسالة تيموثاوس الثانية 1: 12) 

"فَٱشْتَرِكْ أَنْتَ فِي ٱحْتِمَالِ ٱلْمَشَقَّاتِ" (رسالة تيموثاوس الثانية 2 : 3)

"ٱلَّذِي فِيهِ أَحْتَمِلُ ٱلْمَشَقَّاتِ" (رسالة تيموثاوس الثانية 2: 9)

'"ِأَجْلِ ذَلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (رسالة تيموثاوس الثانية 2: 10)

'"ِإنْ كُنَّا نَصْبِرُ" (رسالة تيموثاوس الثانية 2: 12)

"صَبُورًا عَلَى ٱلْمَشَقَّاتِ" (رسالة تيموثاوس الثانية 2: 24)

"سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ" (رسالة تيموثاوس الثانية 3: 1)

"وَٱضْطِهَادَاتِي، وَآلَامِي" (رسالة تيموثاوس الثانية 3: 11 الجزء الأول)

"أَيَّةَ ٱضْطِهَادَاتٍ ٱحْتَمَلْتُ!"  (رسالة تيموثاوس الثانية 3: 11 الجزء الثاني )

"وَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِٱلتَّقْوَى فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ . "(رسالة تيموثاوس الثانية 3: 12)

"ٱحْتَمِلِ ٱلْمَشَقَّاتِ" (رسالة تيموثاوس الثانية 4: 5)

"وَسَيُنْقِذُنِي ٱلرَّبُّ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ رَدِيءٍ" (رسالة تيموثاوس الثانية 4: 18)

لذلك نرى أن بولس كان يسعى إلى تقوية تيموثاوس، وتذكيره بقوة الله الساكنة فيه والتي تمكنه من الانطلاق بجرأة لشهادة الانجيل بدلاً من التراجع بخجل وجبن. وهذه القوة نفسها التي منحها الله لبولس وتيموثاوس يمنحها الله للمؤمنين بيسوع اليوم من خلال الروح القدس. 

كم من مرة نتسارع لنردد رسالة تيموثاوس الثانية 1: 7 لتساعدنا في التغلب على المهمات الصعبة أو المخيفة ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بفعل ما تُشير إليه الآية بالفعل –إخبار الآخرين ببشارة يسوع– نتجاهلها ونترك الخوف يُسيطر علينا. ليعننا الله على أن نتذكر، كما ذكّر بولس تيموثاوس، أن "نُشعل" النور في داخلنا الذي هو "موهبة الله"، وأن نفعل ذلك بجرأة وثقة، بقوة ومحبة وعقل سليم، لأن هذه هي الروح التي وهبنا إياها الله. حتى "لا نخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا" وأن "نشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ"، ونفعل ذلك بروح الشجاعة التي يعطينا إياها هو وحده.


كتب من قبل أوليفيا باشا. ترجم من قبل ميار مسلّم.  تعديل من قبل حنين باشا.


This post was first published in 2022. To see the original English version, click here.

هذا المنشور تم نشره أولا في 2022. لرؤية النسخة الإنجليزية الأصلية إضغط هنا.


Rose Creger Tankard :المصدر
.سمح بالنشر



المصادر:   deilia: https://biblehub.com/greek/1167.htm .1

No comments:

Post a Comment