إن دخول يسوع الظافر إلى أورشليم الذي نحتفل به في أحد الشعانين يلفت الانتباه لتناقضه الصارخ مع الأحداث اللاحقة له. لطالما أدهشني كيف أن الأشخاص نفسهم الذين صرخوا وهتفوا: "أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!" (يوحنا 12: 13) يمكنهم بعد أيام قليلة أن يطالبوا ويصرخوا" خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ!" (يوحنا 19: 15).
نحن نعلم أن معظم القادة الدينيين اليهود لم يكونوا معجبين بيسوع، لذلك فرغبتهم بموته لم تكن مفاجئة كما نقرأ في الكتاب المقدس. لكن الجموع التي تبعت يسوع كانت قصة أخرى. كانوا يُظهرون إيمانهم به، أو على الأقل كانوا مسرورين بأعماله ومندهشين من المعجزات التي عملها، مدركين أن له سلطان غير عادي. المعجزات جذبت الجموع إليه وكما يخبرنا يوحنا فإن الجموع في أورشليم التي كانت تضع سعف النخيل تحت قدمي يسوع كانت تتجمع لتمجيده لأنهم سمعوا كيف أقام لعازر من الموت (يوحنا 12: 17 - 18).
كان من المؤكد أن هذا العمل العظيم سيثير الدهشة والرهبة، ولا عجب أن الجموع كانوا يباركون يسوع أثناء مروره. لكن العجيب هو كيف أن إعلاناتهم التي بدت أنها ناتجة عن قناعة بأن يسوع هو الملك، ابن داود، والآتي باسم الرب، قد خمدت بسرعة كبيرة ولم تتلاشى في صمت بل تحولت الى صراخ قبيح من عكس ذلك تماماً. كيف يمكن للناس أن ينتقلوا من الإعجاب إلى الخيانة بهذه السرعة؟
عندما نتأمل في العهد القديم، نلاحظ أن هذا السلوك لم يكن جديداً في نهاية المطاف. لنأخذ هارون مثالاً: عيّنه الله ناطقاً باسم موسى وذراعه الأيمن في قيادة شعب إسرائيل للخروج من مصر، وشهد معجزات الضربات وانشقاق البحر الأحمر، ووقف أمام الشعب إلى جانب موسى كممثل لله. ومع ذلك، ماذا فعل؟ بنى صنم وأمر الشعب بعبادته عندما نفد صبرهم لعودة موسى من لقائه مع الله على الجبل (خروج 32). يا للهول!
وجدعون، الرجل المتواضع الذي اختاره الله لإنقاذ شعب إسرائيل من ظلم المديانيين، وفي الوقت نفسه الذي كان فيه خاضع لقيادة الله بدلاً من أن يأخذ السلطة لنفسه، طلب من الشعب أن يعطوه أقراطاً من الذهب ليصنع منها إفوداً (رداءً كهنوتياً) كان الشعب يعبده آنذاك (قضاة 8: 22 - 27). مرة أخرى - يا للعجب! ألم نتعلم شيئاً من هارون؟
من خلال هذين المثالين على انحراف الإيمان، نرى تقلب القلب البشري. وهذا التقلب هو ما نراه معروضاً مجدداً في العهد الجديد مع الجموع التي تبعت يسوع. تلك الجموع التي فرحت بقدومه، لكنها انقادت بسهولة وراء رؤساء الكهنة للمطالبة بإعدامه (انظر مرقس 15: 11 - 15). ولكن لم تكن الجموع العشوائية وحدها هي التي أظهرت هذا التقلب. حتى بطرس، أحد أقرب أتباع يسوع، الذي أكد بثقة كبيرة أنه مستعد أن يموت معه، أنكره ثلاث مرات بعد ساعات قليلة من قطعه هذا الوعد. ومع ذلك، حتى في مواجهة خوف بطرس وإيمانه المتقلب، كان يسوع رحيماً وأعطاه طمأنينة قبل أن يقع في الخطيئة بأنه سيرجع إليه، وأن له دوراً هاماً في ملكوت الله (لوقا 22: 31 - 34، 54 - 62). وقد أصبح بطرس لاحقاً أحد أقوى قادة الكنيسة الأولى، وساهم في كلمة الله بإلهام من الروح القدس.
وبالمثل، لم يُطرد هارون من الله بسبب خيانته، بل غفر له وكان أول رئيس كهنة، المسموح له أن يدخل قدس الأقداس وأن يقف أمام حضور الله. أما جدعون، فبالرغم من تشجيعه على عبادة الأصنام الجماعية كما فعل هارون، فقد ذُكر اسمه بين أبطال الإيمان في رسالة العبرانيين 11. بالنسبة لبطرس وهارون وجدعون، وغيرهم كثيرون في الكتاب المقدس، لم يكن ضياعهم نهاية قصتهم.
نحن لا نعرف هويات جميع الأفراد من الجموع الذين انقلبوا من تسبيح يسوع إلى إدانته، ولكن ليس من المستبعد أن يكون بعضهم قد اقتنعوا لاحقاً بالحق من خلال الروح القدس وتابوا، مستبدلين إيمانهم المتقلب بإيمان راسخ ودائم يسبّح يسوع لأجل من هو لا لمجرد ما يفعله فحسب. ورغم أننا لا نعرف شهادات مئات المؤمنين في الكنيسة الأولى، فليس من الصعب تخيل أن بعضهم كان من بين هؤلاء الذين بدأوا يتبعون يسوع لأسباب سطحية، فقط يريدون الأمور الملموسة التي كان يمنحها لهم، ثم تخلوا عنه عند الصليب. من المحتمل أنه لم يكن إيمانهم المتقلب نهاية القصة.
كثيراً ما ننظر إلى حالات مثل شاول (الذي أصبح بولس الرسول) ونتعجب من نعمة الله في تحويل شخص كان عدواً لدوداً ليسوع إلى تابع مُخلِص. لكن من السهل أن ننسى أن نعمة الله مدهشة بنفس القدر في تحويل شخص ذي إيمان ظرفي مشروط إلى إيمان راسخ، أو في نقل شخص من إيمان سطحي متذبذب إلى إيمان عميق راسخ. إن رحمة الله ونعمته أعظم من أي تقلب قد نظهره.
لذلك، بينما نتأمل في أحد الشعانين وفي تسبيح جموع أورشليم العابر، لنفحص قلوبنا، واضعين إيماننا تحت المجهر، مدركين أننا لسنا أفضل منهم. وإذ ندرك ضعفنا البشري وميلنا للضلال، فلنصلِّ بصدق مع الرجل في مرقس 9: 24 «أومن يا سيد، فأعن عدم إيماني». وعندما نجد إيماننا يتزعزع أو نقع في الخطيئة، فلنجد التشجيع في نعمة الله العظيمة التي لا ترفضنا بسبب تقلباتنا، بل تقرِّبنا وتعيدنا إليه، وتقوِينا بروحه، لمجده ولخيرنا.
كتب من قبل أوليفيا باشا. ترجم من قبل ميار مسلّم. تعديل من قبل حنين باشا.
This post was first published in 2023. To see the original English version, click here.

.jpg)

