في مساء أيام الأحد، ألتقي عادةً بمعلمتي لدراسة اللغة العربية. وفي كل أسبوع تحدد لي واجب منزلي، وكان من بين هذه الواجبات مرة أن أكتب فقرة باللغة العربية أستخدم فيها المفردات التي تعلمتها خلال الأسبوع، والتي كانت تتعلق بالأفعال المضارعة. وقد قادنا هذا الواجب إلى مناقشة الأزمنة في اللغة العربية، وهي ثلاثة فقط: الماضي والمضارع والأمر. أما بالإنجليزية فهي 12 وإذا حسبنا "أزمنة الشرط" فهي 16 [1].
يمكنك تخيل مدى احباطي بينما أحاول أن أعبر عن فكرة معينة متعلقة بالزمن والتي كانت طبيعية لطريقتي الفطرية بالتفكير، لأكتشف أنه ليس هناك إطار مرجعي لمفاهيم الزمن هذه، بعقلية المتكلمين بالعربية. فمثلا "هي تكتب" يمكن أن تترجم "she writes" أو "she is writing" أي بالزمن المضارع البسيط أو المستمر بالإنجليزية. لا يوجد فرق بين هذين المفهومين بالعربية والذي يُعبر عنه بتغيير في تصريف الأفعال. ولكن يمكننا التعبير عنه بإضافة كلمات معينة تدل على الزمن مثل "هي تكتب الآن" أو "هي تكتب طوال الوقت" مثلاً.
وعلى العكس، هناك مفاهيم تأتي بشكل تلقائي إلى عقل المتكلم بالعربية والذي يصعب على عقل المتكلم بالإنجليزية فهمه، مثل إمكانية جمع الصفات. على سبيل المثال، بالإنجليزية إذا تكلمنا عن شخص أو عدة أشخاص فإننا نشير إليهم بالصفة "happy" أو سعيد، ولكن باللغة العربية يوجد جمع لهذه الكلمة إذا كنا نتكلم عن عدة أشخاص (هناك أيضاً المثنى عندما نتكلم عن اثنين او اثنتين). عقلي المتكلم بالإنجليزية لا يقدر أن يستوعب كيف يمكن لصفة أن تُجمع وهي ليست بشيء، ولكن للعقل المتكلم بالعربية هذا الشيء منطقي جداً. ربما لأن الصفات باللغة العربية تعتبر أسماء (وهذه حقيقة مذهلة أخرى لعقلي المتكلم بالإنجليزية).
كل هذا جعلني أفكر كيف أن اللغات أكثر من مجرد طريقة لتبادل الأفكار. إنها قادرة على تشكيل الطريقة التي من خلالها نفكر بالعالم، القدرة التي نمتلكها لفهم أفكار معينة. (لفهم ما أقصد، انظر الى هذا المقطع المدهش الذي أرسلته لي معلمتي بخصوص هذا الموضوع). لغتنا الأم تزودنا بالقدرة على تقييم العالم بطريقة معينة، وعندما نصادف لغة جديدة، فإننا لا نسمع مجرد مجموعة جديدة من الأصوات للتعبير عن المعنى؛ ولكن نحن نتقابل بشكل أساسي مع طرق جديدة لتقييم العالم.
لهذا السبب أجد أنه من المهم للغاية، عند تعلم لغة جديدة، أن يكون لديّ معلمة تتقن اللغة التي أحاول تعلمها ولغتي الأم، لأنها تستطيع أن توضح لي الاختلافات في طريقة تفكيري الحالية عند التحدث بالإنجليزية، والطريقة التي أحتاج إلى التفكير بها عند التحدث بالعربية. كذلك، فإن أفضل المترجمين هم أولئك الذين يتقنون اللغتين إتقاناً تاماً، ويستطيعون ترجمة مفاهيم كاملة من لغة إلى أخرى، لا مجرد كلمات.
كبشر، نحن بحاجة إلى مترجم كهذا عندما يخص الموضوع الأشياء المتعلقة بالله. طبيعة رؤيتنا للعالم مختلفة بشكل أساسي عن الطريقة التي يرى الله بها العالم. هناك مفاهيم لحياة ترضي الله غريبة عن طبيعة فهمنا (مسامحة المخطئين إلينا، التفكير بالغير قبل أنفسنا، رؤية المعاناة كطريق للخير، استخدام الظروف الصعبة لتسبيح الله، الخ). وبدون معلم ومترجم، ليس لدينا فرصة لإدراك أن هناك طريقة مختلفة عن طريقتنا، لا يوجد طريق لاستيعاب هذه اللغة الأجنبية، لغة الحياة الروحية.
ولكن الشكر لله، الذي أعطانا أفضل المترجمين وأكثرهم جاهزية، الروح القدس نفسه. وهذا ما يتحدث عنه بولس في كورنثوس الأولى الأصحاح الثاني:
"لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ، وَلَا مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرٍّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ. بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هَكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لَا بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ. وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لَا يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا." الأعداد 6-14
لقد قرأت هذه الأعداد مراراً، ولكن لم أُدرك عمق حقيقته وحاجتنا الماسة إلى الروح القدس إلا عندما بدأتُ بتعلّم اللغة العربية وفهمت ما ذكرته أعلاه. انظر كم مرة ذُكرت فكرة الفهم/ المعرفة في هذه الأعداد. إنها تُخبرنا أن أمور الله غريبة علينا لدرجة أننا لا نستطيع فهمها دون تعليم، ولكن الروح القدس يفهمها تماماً–لأنه الله.
هو يفهم أفكار وطرق الله لأنها لغته الأم. ولكن يفهم لغتنا الأم أيضاً لأنه خالقنا، كلي المعرفة، هو يفهم كيف أن السقوط قد أثّر في طريقة تفكيرنا. لذا فهو ضليع باللغة التي نحتاج إلى تعلّمها، ويفهم لغتنا الأم جيداً بما يكفي ليُبيّن لنا الاختلافات بين طريقة تفكيرنا عندما نعيش خارج المسيح، وطريقة تفكيرنا عندما نكون في المسيح. وهذا هو الروح القدس الذي وهبه الله لنا مُعلّماً ومُترجماً.
يا لها من فرحة أن تعلم أن الله جعل فهم الحقائق الروحية ممكناً لنا! يا لها من راحة أن نعرف أنه لم يلقنا في عالم غريب بدون مترجم، ولكنه بدلاً من هذا قد أعطانا روحه. يا له من تشجيع أن نعرف أنه لم يتركنا لوحدنا لنتعلم طريقة جديدة مختلفة كلياً للحياة وطريقة جديدة لفهم العالم، ولكن بالمقابل وهبنا معلماً هو الحكمة بذاتها. إن عيش الحياة المسيحية هي مثل تعلم لغة جديدة، ولكن شكراً لله أننا نمتلك متحدث أصلي في داخلنا يساعدنا في كل خطوة بالطريق، وهو أفضل مترجم على الإطلاق.
كتب من قبل أوليفيا باشا. ترجم من قبل ميس سلفيتي. تعديل من قبل حنين باشا.
This post was first published in 2022. To see the original English version, click here.
هذا المنشور تم نشره أولا في 2022. لرؤية النسخة الإنجليزية الأصلية إضغط هنا.

[1] ماضي، مضارع، مستقبل، ماضي تام، مضارع تام، مستقبل تام، ماضي مستمر، مضارع مستمر، مستقبل مستمر، ماضي تام مستمر، مضارع تام مستمر ومستقبل تام مستمر (الشرط، الشرط التام، الشرط المستمر، الشرط التام المستمر) وهذا مقطع مسلّي لتتعلم المزيد عن أزمنة الأفعال بالانجليزية: https://ed.ted.com/lessons/how-many-verb-tenses-are-there-in-english-anna-ananichuk.
.jpg)
