إن مفهوم العدالة من المواضيع المهمة والمثيرة في هذه الأيام. فمن المناقشات حول وجود ظلم ممنهج في النظام القضائي، وما هي أفضل الحلول للظلم الذي يعاني منه الناس في مجتمعنا، إلى الدراما التلفزيونية مع خطوط سردية تصور حكام فاسدين، هيئات محلفين تم التلاعب بها، وشهود غير موثوق بهم، نحن غارقون في سقوط العدالة في كلا من الخيال والواقع.
عندما تتوقف كي تفكر بالموضوع، إنه لأمر عجيب أن تتحقق العدالة الحقيقية في هذه الأرض. كيف نعلم أن الدليل لم يتم التلاعب به أو زرعه؟ كيف نعلم أن الشهود لا يكذبون أو ببساطة يخطئون في تذكر ما رأوه؟ حتى مع وجود أنقى الدوافع وأفضل النوايا، فالشهود، الحكام، وهيئات المحلفين معرضين لحقيقة العيش في عالم ساقط. الأشياء قد لا تكون كما تبدو–أو قد تكون تماماً مثلما تبدو. هناك أوقات عندما ببساطة علينا أن نصدق كلام شخص–أو أن نقرر ألا نصدق. قد نكون متأكدين أننا نتذكر تماما ما حصل–إلى أن نبدأ بالشك بما رأيناه أو سمعناه.
كل هذا الغموض ومحدودية الإدراك والفهم البشري يمكن أن يتركنا بنظرة متشائمة حتى لأفضل أنظمة العدالة حول العالم. لكننا نستطيع أن نجد تشجيع عظيم و طمأنينة في حقيقة أن أنظمة العدالة البشرية هي ليست كل ما يوجد. هنالك نظام عدالة أعلى، برئاسة حاكم كامل الحكمة، كامل المعرفة، يدرك ويفهم كل شيء بشكل كامل.
لقد تنبأ النبي إشعياء، الذي عاش في مجتمع قديم كان الظلم متفشياً فيه، بمجيء شخص سيكون مختلفاً تماماً في قدرته على الحكم:
"وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلَا يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلَا يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَةَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ." (إشعياء 11: 1-5)
في هذا الوصف ليسوع المسيح، لاحظ كم من الصفات لديه التي تجعله الحاكم الكامل المعصوم عن الخطأ. يحمل روح يهوه (الاسم العهدي العلاقاتي لله)، وهذه الروح تتصف بالحكمة، الفهم، المشورة، المعرفة، ومخافة الله (إشعياء 11: 2). ليس مثل الحكام البشر الذين لا يستطيعون الحكم إلا بما يراقبونه بحواسهم المحدودة، هو لا يحكم بناءاً على الرؤية أو السمع، لكن بالبر الكامل والعدالة لأنه يعلم كل شيء، حتى أفكار الإنسان نفسها (إشعياء 11: 3). وهو لا يتميز فقط بالبر، لكنه أيضاً أمين (إشعياء 11: 5). عدالته الكاملة غير مشروطة ولا تتقلب–إنها ثابتة وأكيدة.
عندما يتم مقارنة هذا النص الكتابي مع أجزاء أخرى من الكتاب المقدس، هناك أدلة أيضاً تتحدث عن ألوهية المسيح الذي له نفس صفات لله الآب:
"الله قاض عادل، وإله يسخط في كل يوم" (مزمور 7: 11).
"أما الرب فإلى الدهر يجلس. ثبت للقضاء كرسيه. وهو يقضي للمسكونة بالعدل. يدين الشعوب بالاستقامة" (مزمور 9: 7-8).
"وَتُخْبِرُ السَّمَاوَاتُ بِعَدْلِهِ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الدَّيَّانُ. سِلاَهْ." (مزمور 50: 6).
"تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ الأُمَمُ لأَنَّكَ تَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ، وَأُمَمَ الأَرْضِ تَهْدِيهِمْ. سِلاَهْ." (مزمور 67: 4).
"«لأَنِّي أُعَيِّنُ مِيعَادًا. أَنَا بِالْمُسْتَقِيمَاتِ أَقْضِي." (مزمور 75: 2).
"قُولُوا بَيْنَ الأُمَمِ: «الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. أَيْضًا تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ فَلَا تَتَزَعْزَعُ. يَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ (...) جَاءَ لِيَدِينَ الأَرْضَ. يَدِينُ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ وَالشُّعُوبَ بِأَمَانَتِهِ.»" (مزمور 96: 10، 13)
"قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ يُجْرِي حُكْمًا لِلْمَسَاكِينِ وَحَقًّا لِلْبَائِسِينَ." (مزمور 140: 12).
"فَيَا رَبَّ الْجُنُودِ، الْقَاضِيَ الْعَدْلَ، فَاحِصَ الْكُلَى وَالْقَلْبِ، دَعْنِي أَرَى انْتِقَامَكَ مِنْهُمْ لأَنِّي لَكَ كَشَفْتُ دَعْوَايَ." (إرميا 11: 20).
"وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ،" (1 بط 1: 17).
"الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ." (1 بط 2: 23).
تلك الآية الأخيرة تتكلم عن يسوع، الله الابن، مسلماً نفسه بثقة لله الآب. كما ناقشت في منشور آخر: من أكثر الأشياء إثارة للدهشة في سلوك يسوع خلال محاكمته وإعدامه هو أنه كان لديه قدرة على ضبط النفس لتحمل كل القسوة بالرغم من قدرته على توقيف هذا الظلم. كما قال بطرس، لم يشتم ولم يهدد، كان يعلم أن الله قاضي عادل. كان يعلم أن الله يرى براءته، وكان يدرك أيضاً أنه بتحمله طواعيةً خطيئة العالم أجمع، سيُعاقب على يد الآب، لكن الآب سَيُظهر في النهاية براءته في القيامة والصعود، وسوف يعاقب الذين اتهموه وحكموا عليه ظلماً إن لم يتوبوا. لم يكن بحاجة للأنتقام لنفسه لأنه كان يعلم أن الآب عادلاً بالكامل.
كما أن يسوع "أوكل نفسه لمن يقضي بعدل،" نحن أيضاً بإستطاعتنا أن نجد السلام و التعزية عندما نختبر الظلم في هذا العالم لأننا نعلم أن الأمر في النهاية بيد الله. الله سوف يلاحظ الظلم. حتى لو بدا الأمر أنهم يفلتون من العقاب هنا على الأرض، هم يقفون أمام قاضي كامل، الذي يقول، "لي النقمة أنا أجازي" (رومية 12: 19). لسنا بحاجة للتخطيط لانتقامنا الخاص. ليس علينا أن نحيا معتقدين أن الأعمال الشريرة لن تظهر للعلن أبداً. هذا يمنحنا راحة كبيرة، خاصةً عندما نشعر بالعجز عن تحقيق العدالة في هذا العالم. يمكننا أن نكون على يقين بأن الله يُصدر دائماً حكماً دقيقاً وعادلاً وكاملاً، يُحدد فيه الجاني بدقة ويُبرئ البريء.
لكن بالتأكيد، عندما يأتي الأمر للوقوف أمام إله قدوس، لا أحد منا بريء حقاً. جميعنا لا نستطيع أن نصل إلى معياره الصالح (انظر رومية 3: 23). وفي هذه الحالة، حكمه الكامل يجب أن يجعلنا نرتجف إذ كنا نفكر أننا نستطيع بأي طريقة أن نتظاهر أننا غير مذنبين أمامه. كل خطايانا، تمردنا، وتقصيرنا مكشوف أمام أنظاره، وأملنا الوحيد في العفو هو في يسوع. لأن الله هو عادل بالكامل، لا يستطيع أن يُفلت المذنبون من العقاب دون أن يتم دفع العقاب. لكن لأن يسوع دفع عنا العقاب، متحملاً كل غضب الله العادل ضد خطيتنا التي أخذها عنا، عندما نؤمن بما فعله من أجلنا نستطيع أن نختبر المغفرة الكاملة من الله. متطلبات العدالة تم تلبيتها بالكامل، وبسبب هذا، الله في حكمه الكامل يقدر أن يمنحنا حكم الحياة الوفيرة في محضره للأبد.
المجد لله–الآب، الابن، والروح القدس–الذي في كامل كماله غير متحيز، مخلص، صالح، منصف، كامل في الحكمة والمعرفة والفهم، دائماً ما يحقق العدالة الكاملة. لا يمكن رشوته أو تضليله أو التحيز ضده. هو يرى ويسمع ويعرف الكل بالتمام. يا له من إله جميل، رائع ومذهل!
كتب من قبل أوليفيا باشا. ترجم من قبل ليلى عطالله. تعديل من قبل حنين باشا.
This post was first published in 2023. To see the original English version, click here.

.jpg)
