Wednesday, January 28, 2026

الخير في سياقه الكتابي: دراسة أعمق في رومية 8: 28

بعد دراسة عبرانيين 4: 13 بسياقه الكتابي في منشور سابق، ننتقل اليوم إلى رسالة أخرى من رسائل الرسول بولس لنتأمل آية كثيراً ما يُساء فهمها، وهي رومية 8: 28، التي تَرِد قرب نهاية واحد من أجمل الإصحاحات في الكتاب المقدس. هذه الآية بكل بساطة تُقتبس بطريقة خاطئة في بعض المرات مما يؤدي إلى سوء فهمها كما لو أنها أُخذت خارج السياق، فماذا تقول رومية 8: 28 فعلياً؟  

"وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ."

علينا أن ننتبه منذ البداية إلى أول كلمة في الآية، فهي تحمل دلالة مهمّة على أن هناك ما هو أكثر. واو العطف تفيد الإضافة، وعندما تبدأ الآية بـ "و"، فهذا يشير إلى أن الفكرة المطروحة ليست مستقلة بذاتها، بل هي جزء من طرح متكامل، وأن هذه الآية ليست إلا جزءاً منه. فما هي الفكرة التي كان بولس يوضحها في الإصحاح الثامن من رسالة رومية؟

للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نعود خطوة، أو ربما أكثر، إلى الوراء ونتأمل الصورة العامة. تُعد رسالة رومية أطول رسالة لاهوتية، إذ تشرح حقائق عميقة تتعلق ببرّ الله.[1] فالإصحاحات الإحدى عشرة الأولى توضّح حاجتنا إلى المخلّص، وطريقة خلاصنا، وتأثير هذا الخلاص، إضافة إلى سيادة الرب على العملية بأكملها. أما الإصحاحات الخمسة الأخيرة، فتكشف كيف يمكننا أن نعيش في ضوء هذا الخلاص.[2] ويأتي الإصحاح الثامن من رومية باعتباره الإصحاح الأخير في قسم مكوَّن من ثلاثة إصحاحات تتناول تأثير خلاصنا. ففي الإصحاح السادس يتحدث بولس عن القداسة والخطيئة، وفي الإصحاح السابع عن القداسة والناموس، أما في الإصحاح الثامن فيركّز على القداسة وعمل الروح القدس.[3]

يبدأ بولس الإصحاح الثامن بشرح الفرق بين العيش حسب الروح والعيش حسب الجسد قبل أن يناقش كيف أن الذين بالروح هم متبنين من قبل الرب وعليه فهم وارثين مع يسوع. في هذا الجزء بولس يرجع لفكرة المعاناة التي ذكرها سابقاً عندما بيّن أن أتباع يسوع يمكنهم أن يبتهجوا بالألم بسبب ما ينتجه بحياتنا (انظر رومية 5: 3-5). في الآية 18، يكتب بولس أن آلامنا الحاضرة لا تُقارن بالمجد المستقبلي الذي سوف نختبره.

غير أن هذا المجد العتيد يبقى مجد مستقبلي. أمّا في الحاضر، فما زلنا نعيش في عالم ساقط، نصارع فيه شهوات الجسد التي تحارب أرواحنا. ولذلك، وبينما ننتظر هذا المجد القادم، يسود الكثير من الأنين، وشوق عميق إلى اليوم الذي تُجدَّد فيه السماء والأرض:

"فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا. (..) وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا." (رومية 8 :22-23 و26). 

وإلى أن يتم فداء أجسادنا وتتحرر الخليقة بأسرها، سنظل نعيش في حالة ضعف جزئي، رغم أن قوة الله تسكن فينا. لقد خُلِّصنا، لكن خلاصنا لم يبلغ كماله بعد–علينا أن نتمجد أيضاً.

في هذه الأثناء، نحن نختبر الصعوبات والمعاناة، كما أن الخليقة تختبر حرائق الغابات والزلازل الأرضية والاختلالات التي تعكس حقيقة أن الأرض لم تتجدد بعد. ومع ذلك، ففي وسط هذا الألم، لدينا عزاء عظيم: لسنا وحدنا. بل لدينا شفيع حيّ وفاعل، هو الروح القدس نفسه، الذي «يعين ضعفاتنا» و«يشفع فينا». ولم يكتفِ بولس بهذا، بل أضاف أمر آخر بالغ الأهمية عن الروح القدس: "وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ." (عدد27). الروح لا يصلي لنا فحسب، ولكنه يصلي حسب مشيئة الرب. وهذا يعني أن صلواته دائماً كاملة ومكونة مما نحتاجه بالضبط بكل موقف.

من الممكن أنكم لاحظتم أننا وصلنا للآية 27، السابقة للآية التي نركز عليها اليوم. لذا فقد رأينا أننا بعدما أسسنا لما يعنيه أن نعيش بالروح، وما الذي نأمل له بالمستقبل، وما هو الواقع الحاضر الذي نعيشه، أعطانا بولس سلسلة من التشجيعات. 

  • أولاً: الروح القدس يعيننا ويشفع فينا (عدد26). 

  • ثانياً: أنه يقوم بذلك حسب مشيئة الله (عدد 27). 

  • وثالثاً، التي نجدها بعدد 28: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ". والآن، بعدما اتّضح لنا السياق، يمكننا البدء في تفكيك هذه الآية وفهمها. 

عادةً ما يتم إساءة اقتباس رومية 8: 28 فنقول، "نحن نعرف أن كل الأشياء تعمل معاً للخير". لكن هذا الاقتباس الناقص يُضيع عبارتين أساسيتين تحددان بوضوح لمن تنطبق هذه الآية. بقدر ما نريد أن تكون هذه الحقيقة، لا نقدر أن نستخدم هذه الآية لنقول أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للجميع، لأنها ليست كذلك. هذا التشجيع هو فقط "للذين يحبون الله" والذي بمعنى آخر "المدعوين حسب قصده". وبمعنى أوضح، فإن الذين يمكنهم التمسك بهذا الوعد هم فقط أولئك الذين تنطبق عليهم أوصاف الإصحاح الثامن: الذين امتلأوا بالروح، والذين تبنّاهم الله أبناءً له. هؤلاء وحدهم هم من يحق لهم أن يطالبوا بهذا الوعد.

ولكن حتى وإن فهمنا هذا الجزء بشكل صحيح، يمكن أن نسيء فهم القصد من ورائه بتمسكنا بفكرة خاطئة عما تعنيه أن تعمل كل الأشياء "للخير". في منظورنا المحدود، نفكر أن الخير يعني اليسر والسعادة وعدم الألم، وأي شيء صعب أو حزين أو مؤلم هو بالضرورة سيء. هذا المنظور ينبع من رغبتنا من أن نعيش حياة مريحة. ولكن الإطار الذي يعمل به الله للخير مختلف عن إطارنا. هدفه الأسمى لنا ألا نكون مرتاحين، بل مقدسين، لنقدر أن نستمتع ونعكس كماله ومجده.

نرى هذا فيما يأتي بعد العدد 28 مباشرة: "أَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ." (عدد29). هذه هي وجهتنا، أن نكون مثل يسوع. هذا هو الخير الأسمى، وهذا ما يستخدم الرب "كل الأشياء" لأجله، لتعمل بحياة أبنائه المتبنين.

لذلك رجاءنا أن الله قادر أن يستخدم كسرنا في هذا العالم والجسد الذي نعيش فيه لتحقيق الغاية القصوى لحياتنا (قداستنا). هو قادر أن يأخذ المعاناة والأنين ويجعله يعمل معاً لخيرنا. لأنه كما قال بولس في رومية 5: 3-5 "عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا." في حسابات الله الضيق يمكن أن يُعوض ليُنتِج خير في حياة الذين يتبعون المسيح.

إذن، فإن رومية 8:28 ليست وعداً عاماً لكل إنسان بأن يحيا حياة صالحة بحسب مقاييس العالم للخير، لكنها وعد أعظم من ذلك بكثير: فمهما كانت الظروف التي نواجهها كأتباع ليسوع، يستخدم الله كل شيء لخيرنا الحاضر والأبدي، إذ يشكّلنا على صورة المسيح. وهناك أخبار جيدة أخرى: على الرغم من أن هذه الآية لا تنطبق على الجميع، إلا أنها لا تُغلق الباب أمام أحد؛ إذ يبقى الباب مفتوحاً لكل من يدعو باسم يسوع فيخلص، ويصير تابعاً له، وابناً متبنّى لله، فيستقبل روحه والوعد في رومية 8: 28.

فكل من يترك حياة خدمة الذات، بما تحمله من خطية، ويتحوّل إلى حياة خدمة الله، واضعاً ثقته في يسوع وفي ما صنعه لأجلنا على الصليب، يصبح هذا الوعد له في الحال وإلى الأبد.
ما أعظم صلاح الله!

كتب من قبل أوليفيا باشا. ترجم من قبل ميس سلفيتي.  تعديل من قبل حنين باشا.


This post was first published in 2022. To see the original English version, click here.

.هذا المنشور تم نشره أولا في 2022. لرؤية النسخة الإنجليزية الأصلية إضغط هنا



[1] Nelson’s Complete Book of Bible Maps and Charts, 3rd ed (Nashville: Thomas Nelson, 1996), 366.

[2] Ibid.

[3] Ibid., 367.

No comments:

Post a Comment