هل تبدو لك أي من هذه الأفكار مألوفة؟ أو ربما مألوفة جداً إذ قد فكرت بها بنفسك سابقاً؟
- ينبغي أن أشكر الله وأسبحه بدلاً من أن أطلب منه أن يعطيني أو أن يفعل أشياء من أجلي.
- الله هو المسيطر على كل شيء، لذلك لا حاجة لي أن أطلب منه أمراً محدداً. فهو يعرف مسبقاً ما أريده وما أحتاج إليه على أي حال.
- أن أصلي من أجل الآخرين أكثر أهمية من الصلاة من أجل نفسي. فالصلاة من أجل نفسي هي أنانية وتمحور حول الذات.
- إذا صليت من أجل نفسي، فينبغي أن تكون صلاتي فقط من أجل أمور "روحية"، مثل أن أصلي أن ينميني الله ويجعلني أكثر شبهاً بيسوع.
لقد راودتني هذه الأفكار جميعها من وقت إلى آخر، وما زلت أضطر إلى مقاومة بعضها باستمرار. للوهلة الأولى، تبدو هذه الأفكار صحيحة، أليس كذلك؟ فنحن نعرف أن الله مستحق تسبيحنا، وأنه عالم بكل شيء وصاحب السلطان على كل الأمور، وأن تركيزنا ينبغي أن يكون أقل على أنفسنا وأكثر على الله والآخرين، وأن مشيئته لنا هي أن نتشكل على صورة يسوع المسيح. فما هي المشكلة إذاً؟
المشكلة في العبارات السابقة هي أنها تأخذ أجزاء من الحقيقة، وتشوهها بالقدر الكافي لينتج عنها تطبيق في غير موضعه، نابع من فكرة غير صحيحة، وهي أنه من الخطأ أن نطلب من الله أموراً تتعلق بنا شخصياً.
كم مرة سمعنا جميعا عبارة: الله ليس مارد في السماء، موجود فقط لتحقيق أمنياتك؟ ومع أن هذا صحيح تماماً، فإن المشكلة تكمن في أن ما توحي به هذه العبارة، أو على الأقل ما قد يفهمه البعض منها، هو أن طلب شيء «شخصي» من الله يعد بمثابة معاملته كمارد لتحقيق الأمنيات. وبالنسبة لمن لديهم فهم صحيح لهوية الله، وعظمته وقداسته الكاملة، فإن آخر ما نريده هو أن ننتقص منه بأن نتوجه إليه وكأنه مجرد من يحقق لنا أمنياتنا ورغباتنا الشخصية.
ولكن هل هذه حقاً هي الاستجابة المناسبة لرؤية الله قدوساً وعظيماً؟ للإجابة عن هذا السؤال، فإن المصدر الأفضل والوحيد للحصول على إجابة موثوقة هو كلمة الله نفسها. فحتى قضاء وقت قصير في قراءة الكتاب المقدس يكفي ليوضح لنا أن هذا النوع من رد الفعل، أي التردد في طلب الأمور من الله، يتعارض تماماً مع ما يريده الله لنا.
على سبيل المثال، نرى في العهد القديم حنّة تصلي بحرارة، وتطلب من الله تحديداً أن يرزقها طفلاً (صموئيل الأول 1). كان هذا أمراً تتوق إليه بشدة على المستوى الشخصي؛ إذ كانت محرومة من الأطفال، وكثيراً ما كانت تتعرض لسخرية الزوجة الأخرى لزوجها —التي كانت تنجب الأطفال— مما زاد من ألمها وأمعن في إهانتها. وبالمثل، تمتلئ المزامير بأمثلة لداود وهو يطلب من الله الشفاء والحماية. وهذه تضرعات حارة، يلتمس فيها داود الخلاص من المحن الشخصية.
حتى لو تم النظر إلى هذه الأمثلة على أنها وصف لما حدث، عن أنها تحدد ما ينبغي فعله، فإن العهد الجديد يحثنا على أن تعلم طلباتنا لدى الله «في كل شيء» (فيلبي 4: 6). كما أن يسوع نفسه يدعونا إلى أن نطلب (متى 7: 7-11)، ويعلّمنا أن نصلي من أجل أنفسنا (متى 6: 11-13)، ويقدم لنا مثالاً لكيفية رفع طلباتنا إلى الله الآب، نعم، حتى الطلبات التي تتعلق باحتياجاته هو شخصياً.
في جثسيماني، خلال الساعات التي سبقت القبض على يسوع وصلبه، رفع يسوع إلى الله طلباً شخصياً للغاية، إذ طلب منه أن يهيئ له سبيلا للنجاة من الغضب الوشيك الذي كاد أن يختبره (متى 26: 36-46). ولعل أكثر ما يلفت النظر هو أن يسوع، بصفته الله، كان يعلم أن ما كان على وشك تحمله هو السبيل الوحيد. وكان يعلم أن هذه الكأس لن ترفع عنه. وبكلمات أخرى، كان يعلم أن الإجابة لصلاته ستكون «لا».
ومع ذلك، فقد طلب.
ينبغي أن يكون هذا وحده كافياً ليوضح لنا مدى أهمية الطلب. فإذا كان يسوع، رغم علمه المسبق بالإجابة التي سيتلقاها عن صلاته، قد رفع مع ذلك طلبه إلى الله ، فكم بالحري ينبغي لنا نحن أن نفعل ذلك! نتعلم من هذا المثال أنه حتى لو كانت الإجابة «لا»، فإن مجرد الطلب في حد ذاته يظل ذا قيمة. ومن الدلائل التي تساعدنا على فهم سبب ذلك ما نجده في مقدمة طلب يسوع. فقد بدأ كما علّم تلاميذه أن يبدأوا صلواتهم، قائلا: «يا أبتاه» (متى 26: 39).
تذكّرنا هذه الكلمات أن الله القدوس والعلي، إله هذا الكون، هو أيضاً إله ذو علاقة مع الآخرين، وبالنسبة لنا نحن الذين في المسيح، قد دخل في علاقة شخصية معنا، أو بالأحرى، أدخلنا في علاقة شخصية معه.
وفي الفقرة نفسها التي يتحدث فيها يسوع عن الطلب، يربط أيضاً بين ذلك وأبوة الله، إذ يقول: 'أم أيُّ إنسانٍ مِنكُمْ إذا سألهُ ابنُهُ خُبزًا، يُعطيهِ حَجَرًا ؟ وإنْ سألهُ سمَكَةً، يُعطيهِ حَيَّةً؟ فإنْ كنتُم وأنتُمْ أشرارٌ تعرِفونَ أنْ تُعطوا أولادَكُمْ عَطايا جَيِّدَةً، فكمْ بالحَريِّ أبوكُمُ الّذي في السماواتِ، يَهَبُ خَيراتٍ للّذينَ يَسألونَهُ! ' (إِنجيلُ مَتَّى 7: 9-11).
إن أحد جوانب امتلاك علاقة وثيقة مع شخص ما هو التحاور معه، والكشف عن ما في أذهاننا وقلوبنا، ومشاركته أفكارنا ومشاعرنا، حتى لو كان يعرفها مسبقاً. فإذا كان الله أبانا، فلماذا نهمل التعبير له عن رغباتنا؟
نعم، صحيح أن الغاية من وجود الله ليست لتلبية كل ما نرغب فيه. ولكن من الصحيح أيضاً أن الله هو أبانا، وأنه احتمل آلاما لا توصف لكي تكون لنا علاقة معه؛ علاقة وثيقة أكثر من أي علاقة أخرى سنختبرها، علاقة تتضمن أن نطلب منه أموراً، ثم أن نخضع لمشيئته في الإجابة المعطاة. هل يعتمد الله علينا في التواصل معه ليُشبع حاجةً لديه في هذه العلاقة؟ لا. هل يعلم ما سنقوله قبل أن نقوله؟ نعم. هل سيستجيب دائماً لرغباتنا ويحققها؟ لا. هل غالباً سيعيد تشكيل رغباتنا لتصبح رغبات مختلفة؟ نعم.
وأحياناً، يُحدِث الله هذا التغيير في داخلنا من خلال تعبيرنا عن رغباتنا، كاشفاً لنا عن الجوانب في حياتنا التي تحتاج إلى أن تخضع أكثر لمشيئته. لكن لا شيء من ذلك يشكل سبباً يدعونا إلى تجنب الاقتراب من عرش الله في الصلاة ورفع طلبات شخصية ومحددة إليه. أخشى أننا، وفي خضم حماسنا لرفض معتقدات "سَمِّ الشيءَ واحصلْ عليه" — تلك التي تزعم أن كل ما عليك فعله للحصول على شيء ما هو طلبه، وأنك إذا طلبت ولم تحصل عليه فذلك يعني أن إيمانك لم يكن كافياً — قد وقعنا بسهولة في النقيض الآخر، وهو ألا نطلب شيئاً على الإطلاق.
لقد نسينا قوة الصلاة، ليس فقط في تغيير النتائج، بل أيضاً في تنمية علاقتنا مع أبينا السماوي. ولكن عندما نفهم أن الله خلقنا لكي تكون لنا علاقة به، وأنه يمكننا أن نقدره تقديراً كبيراً وفي الوقت نفسه أن نرفع إليه طلباتنا، أياً كانت، نبدأ في إدراك قيمة الدعوة إلى أن نطلب من الله، باعتبارها عطية ثمينة.
إن الله، وهو «ساكناً في نور لا يُدنى منه» (تيموثاوس الأولى 6: 16) يرحب بنا ويدعونا إلى الاقتراب منه من خلال يسوع المسيح، وأن نعرض عليه طلباتنا.
هذا أمر أحتاج إلى تذكير نفسي به بانتظام. ففي كثير من الأحيان، يجب أن أنتقل بوعي من مجرد التفكير، كأن أقول في نفسي: «أتمنى أن يزول هذا العائق»، إلى أن أتوجه إلى الله بالصلاة قائلة «يا رب، هل تفتح لي من فضلك طريقاً حيث يبدو أنه لا يوجد طريق؟».
وحتى عندما يتعلق الأمر بأشياء قد تبدو صغيرة جداً، أو ضخمة، أو أنانية أكثر مما ينبغي، أو سخيفة، عليّ أن أتذكر أهمية الطلب من الله، حتى وأنا أطلب منه أن يشكّلني على صورة يسوع. فعندما أبدأ هذا الحوار مع الله، أفتح أيضاً الباب أمام علاقة أعمق وأكثر غنى معه.
إن القدرة على الطلب هي عطية منحنا الله إياها. فما الذي تحتاج إلى أن تطلبه منه اليوم؟
كتب من قبل أوليفيا. ترجم من قبل سديم. تعديل من قبل حنين باشا.
This post was first published in 2020. To see the original English version, click here.
هذا المنشور تم نشره أولا في 2020. لرؤية النسخة الإنجليزية الأصلية إضغط هنا.
المصدر: Teresa Cantrell.
سمح بالنشر.

