أقرأ حالياً كتاب يشرح تاريخ العلاقة بين العرب واليهود في الأرض المقدسة على مدى مئة عام.(1) وما زلت في عام 1940، لكنني مندهشة من مدى تشابه الكثير من ملامح العلاقة آنذاك مع ما نراه اليوم، ومن كثرة تكرار أنماط معينة نفسها مراراً وتكراراً، وكأنها أسطوانة عالقة تعيد المقطع ذاته بلا توقف.
أحد هذه الأنماط هو نمط الانتقام. يقتل شخص من أحد الطرفين شخصاً من الطرف الآخر، فيرد أفراد من جانب الضحية بقتل أفراد عشوائيين من الجانب الأول "انتقاماً"، مما يؤدي إلى تبادل متزايد للعنف دون الوصول إلى حل. وبغض النظر عن الطرف الذي بدأ بالقتل في أي حالة معينة، فإن نمط الثأر يبقى دائماً هو نفسه.
وفي سياق هذه الدائرة المفرغة والشرسة من الانتقام المتبادل، تبرز كلمات مزمور 52 بتناقض صارخ. كتب داود هذا المزمور بعد الأحداث المذكورة في سفر صموئيل الأول 22، عندما كان هارباً من الملك شاول، وكشف دواغ الأدومي مكان اختبائه. وعندما علم شاول من دواغ بمكان اختباء داود، طاردهُ، وانتهى به الأمر إلى قتل الكهنة الذين ساعدوا داود، بل وقتل أيضاً مدينة نوب بأكملها، بما فيها النساء والأطفال والرضّع والحيوانات.
في دوامة العنف التي تميز الأرض المقدسة في العصر الحديث والتي تنعكس أيضاً في هذه الأحداث القديمة، قد نتوقع أن يرد داود بقتل مدينة بأكملها من داعمي شاول، أو ربما أن يذهب إلى مسقط رأس دواغ ويقتل أهلها، حتى أولئك الذين لم تكن لهم أي علاقة بالفظائع التي حصلت في نوب، تماماً كما قتل شاول ودواغ أولئك الموجودين في نوب الذين لم تكن لهم أي علاقة بخلافهم مع داود. لكن داود لم يستجب بهذه الطريقة.
يبدأ داود بانتقاد دواغ، إذ يكتب:
"لِمَاذَا تَفْتَخِرُ بِالشَّرِّ أَيُّهَا الْجَبَّارُ؟ رَحْمَةُ اللهِ هِيَ كُلَّ يَوْمٍ!
لِسَانُكَ يَخْتَرِعُ مَفَاسِدَ. كَمُوسَى مَسْنُونَةٍ يَعْمَلُ بِالْغِشِّ.
أَحْبَبْتَ الشَّرَّ أَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ، الْكَذِبَ أَكْثَرَ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالصِّدْقِ. سِلاَهْ.
أَحْبَبْتَ كُلَّ كَلاَمٍ مُهْلِكٍ، وَلِسَانِ غِشٍّ." (مزمور 52: 1-4)
ربما نتخيل أن داود كان سيواصل قائلاً شيئا مثل: "سأجازيك على خيانتك وعنفك. أتظن أنك تستطيع أن تخونني وتبيد مدينة بأكملها من أصدقائي وتفلت بفعلتك؟ سأريك ألا تعبث معي!"
لكنه بدلا من ذلك يكتب:
"أَيْضًا يَهْدِمُكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ. يَخْطَفُكَ وَيَقْلَعُكَ مِنْ مَسْكَنِكَ، وَيَسْتَأْصِلُكَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ. سِلاَهْ.
فَيَرَى الصِّدِّيقُونَ وَيَخَافُونَ، وَعَلَيْهِ يَضْحَكُونَ:
«هُوَذَا الإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ اللهَ حِصْنَهُ، بَلِ اتَّكَلَ عَلَى كَثْرَةِ غِنَاهُ وَاعْتَزَّ بِفَسَادِهِ»." ( مزمور 52: 5-7)
من هو الفاعل في كل جزء من أجزاء الجملة الأولى؟ الله. ومن الغائب بشكل ملحوظ عن هذه الآيات؟ داود. الله هو الذي سيحطم دواغ. الله هو الذي سيخطف ويقتلع ويستأصل. الله هو الذي سيجلب الدينونة، وليس داود. فبدلاً من أن ينشغل داود بالتفكير في كيفية جعل دواغ وشاول يدفعان ثمن ما فعلاه، أو يقلق بشأن كيفية الاستمرار في حياته بينما لا يزال هؤلاء الرجال القساة يطاردونه، فإنه يركز على الأمان الذي له في الله:
"أَمَّا أَنَا فَمِثْلُ زَيْتُونَةٍ خَضْرَاءَ فِي بَيْتِ اللهِ. تَوَكَّلْتُ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ.
أَحْمَدُكَ إِلَى الدَّهْرِ لأَنَّكَ فَعَلْتَ، وَأَنْتَظِرُ اسْمَكَ فَإِنَّهُ صَالِحٌ قُدَّامَ أَتْقِيَائِكَ." (مزمور 52 : 8-9)
لاحظ أيضاً أن داود يتحدث عن أن الله قد «فعل ذلك» بالفعل (بصيغة الماضي)، بينما يقول في الوقت نفسه إنه «سينتظر» (في الحاضر\المستقبل). إن عمل الله أمر مؤكد بالفعل، لكن علينا أحيانا أن ننتظر حتى نرى اكتماله بصورة تامة. قد لا نرى دائماً الأشرار يُحاسبون على شرهم، لكننا نعلم أن عدل الله سيغلب في النهاية وإن لم يكن ذلك في هذه الحياة، ففي الحياة الآتية. ويمكننا أن نطمئن إلى أن الله سيعاقب الشر، أو سيرحم إن تاب الاشرار ورجعوا إلى يسوع وقبلوا فداءه العادل عن خطاياهم، (أي موته على الصليب).
ربما لا تعيش في جزء من العالم حيث تعد جرائم القتل بدافع الانتقام أمراً شائعاً. وربما لم تواجه قط مسألة كيفية الرد عندما يقتل شخص ما أحد أفراد مجتمعك. لكنني أعتقد أنه من الآمن أن نقول إننا جميعا قد تعرضنا للظلم بطريقة أو بأخرى. ربما تعرضت للتشهير، أو الخيانة، أو الكذب، أو الإهمال، أو السرقة. وربما أساء إليك آخرون بكلماتهم أو مواقفهم أو أفعالهم. بغض النظر عن شكل الظلم، لدينا جميعا الخيار نفسه: هل نرد بالمثل، أم نترك الانتقام لله؟ وكما كتبت في منشور آخر، وكما كان داود يعرف جيداً، فإن الله جدير بالثقة تماماً، فهو القاضي العادل، والقادر على الانتقام من الشر بطريقته الصحيحة.
لذلك، بدلاً من أن نأخذ الأمور بأيدينا عندما نتعرض للظلم، لنكون مثل داود، ونسلّم مَن أساء إلينا إلى يدي الله، مدركين بأنه هو المنتقم الحقيقي، وليس نحن. ولِنَسترح في الأمان الذي يأتي من كوننا في المسيح، ولِنختر، مثل داود، أن "نتوكل على رحمة الله الثابتة إلى الأبد".
كتب من قبل أوليفيا باشا. ترجم من قبل ميار مسلّم. تعديل من قبل حنين باشا.
This post was first published in 2024. To see the original English version, click here.
هذا المنشور تم نشره أولا في 2024. لرؤية النسخة الإنجليزية الأصلية إضغط هنا.
